بين إس 300 وإف 35: هل يعود سباق التسلح الروسي – الاميركي

إس 300

لم يهضم الاميركيون جيدا موضوع تسليم روسيا لسوريا منظومة صواريخ الدفاع الجوي” إس 300″، حيث اعتبروا انها ستكون (بالمبدأ) مُقيِدَة لحركة طيران العدو الاسرائيلي فوق الاجواء السورية، وربما لحركة طيرانهم ايضا فوق شرق سوريا وبعض شمالها، وذلك من ضمن تصريحات مسؤوليهم الذين اعتبروا هذا التسليم بمثابة تصعيد خطير، فان اساس الانزعاج الاميركي يكمن في أن المنظومة الروسية إس 300 ستكون عاملا فاعلا في تغيير قواعد الاشتباك، وبالتالي ستكون من الناحية الاستراتيجية، عاملا رئيسا في اختلال التوازن العسكري والتسليحي في المنطقة.

من هنا جاء الاعلان الاميركي ـ الاسرائيلي شبه المشترك او شبه المتزامن، عن زيادة حجم المساعدات العسكرية الاميركية للكيان الصهيوني، وعن تسريع تنفيذها، خاصة لناحية اكمال تسليم العدد المقرر، وربما أكثر، من القاذفات التكتيكية الاميركية أف 35 الشبحية، باقرب وقت ممكن.

في الحقيقة، جاء القرار الروسي الاخير بتسليم إس 300 لسوريا، بالرغم من انه ظهر كردة فعل غاضبة على تسبب القاذفات الاسرائيلية باسقاط الطائرة الروسية إيل 20 واستشهاد طاقمها بالكامل، جاء ليُشكّل نقلة نوعية متقدمة في تغيير استراتيجي مرتقب، يبدو ان موسكو تعمل له بطريقة جادة، وهذه النقلة النوعية الروسية تحمل في طياتها اكثر من مناورة عسكرية وفنية، تتمحور أغلبها حول تغيير متدرج في قواعد الاشتباك، تبعا لمستوى متغير من الاجراءات في مناورة استعمال الـ إس 300 ( في عدد المنظومات وفي امكنة تمركزها وفي مستوى استفادتها من شبكة الردارات الكاملة)، بشكل يتواكب مع ردة الفعل المقابلة، الاسرائيلية ـ الاميركية.

فالروس صرحوا علنا ان منظومة إس 300 ستكون بتصرف سلاح الدفاع الجوي السوري، كما انهم صرحوا ايضا انها من النموذج الاكثر تطورا، يعني انها ستملك العناصر الكافية لتأمين حماية الاجواء السورية، على الاقل من مناورة اعتداء القاذفات الاسرائيلية المعتادة بشكل فعال.

أيضاً، تعمّد الروس الاشارة وعلى لسان وزير دفاعهم، ان المنظومة المسلمة لسوريا ستكون مربوطة فنيا وتقنيا، اولا بغرفة قيادة وسيطرة موحدة لكافة منظومات الدفاع الجوي الموجودة على الارض السورية وفي مياهها الاقليمية، والمقصود هنا السورية والروسية طبعا، وثانيا برادارات الكشف المبكر الروسية، والتي صحيح ان اساس مهمتها هو حماية التواجد العسكري الروسي في سوريا، ولكن في تقديمها جميع معطياتها في الرصد والكشف ومتابعة الاهداف لغرفة القيادة والسيطرة المشتركة لمنظومات الدفاع الجوي، ستستفيد منها حكما منظومة الـ إس 300 السورية ( الروسية الصنع ) ، بالاضافة طبعا لاجراءآت التشويش الكهرومغنطيسي فوق كامل الساحل السوري على شرق المتوسط.

من الطبيعي ان الاميركيين (والاسرائيليين حكما) اكتشفوا التغيير الجذري في قواعد الاشتباك فوق الاجواء السورية، والا لن يكون من ضرورة للمنظومة إس 300 ولهذه الضجة الاعلامية حولها، حيث مصداقية الروس على الصعيد الاقليمي والدولي هي على المحك ، و قد اقتنعوا كما يبدو ( الاميركيون والاسرائيليون ) بان الاستراتيجية الروسية الطارئة ، تتجاوز ربما حماية الاجواء السورية كاملة او بعضها ـ وهذا يعود لمستوى التغيير المتدرج في المناورة الذي يختاره الروس ـ تتجاوزها الى استراتيجية اوسع، ترتبط بالتشنج الحساس في شرق وشمال شرق اوروبا وفي اوكرانيا وفي القرم، بين الناتو وبين روسيا، على خلفية المناورات والمناورات المضادة، وعلى خلفية النشر والنشر المضاد للقدرات الصاروخية الاستراتيجية، وعلى خلفية الاتهامات والاتهامات المضادة حول خرق معاهدات الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، او خرق معاهدات الاسلحة النووية الاستراتيجية.

في هذا الاطار يأتي الكلام المشترك الاميركي ـ الاسرائيلي عن الاسراع بتسليم كامل حصة الكيان الصهيوني من القاذفات الاميركية التكتيكية الاكثر تطوراً إف 35 ، والتي ستلعب الدور المطلوب فنيا وعسكريا، والمفترض ان يُلغي او يخفف تأثير المنظومة الروسية إس 300، لناحية تغيير قواعد الاشتباك في سوريا، والمرتبط باستراتيجية روسية اوسع كما ذُكر اعلاه.

فالقاذفة الاخيرة (إف 35) هي قاذفة “شبحية “، نسبة للشبح الذي يختفي من على شاشات الرادارات العدوة، ولها قدرة بالتالي على تجاوز منظومة إس 300 وعزل تأثيرها، وبالتالي ستكون هي القاذفة المعتمدة اسرائيلياً، لمتابعة مناورة العدو في استهداف العمق والداخل السوري لناحية الاسلحة المشكوك بوصولها الى حزب الله، او لناحية التواجد الايراني، او لناحية القدرات النوعية السورية التي هي قيد التطوير.

إنطلاقا من هذه المقاربة المضادة، روسياً من جهة واميركياً (واسرائيلياً حكماً) من جهة اخرى، وحيث ان الشرق الاوسط اصبح بعد التواجد الاستراتيجي الروسي في سوريا وفي شرق المتوسط، اساسياً او مكملا لحلبة الصراع شبه الدولي (الروسي بمواجهة الاميركي مع الناتو)، اي لا يختلف كثيرا في معطيات التواجد العسكري ونشر القدرات الاستراتيجية عن شرق اوروبا وما يمثله كمسرح للصراع الروسي مع الناتو، فهو سيكون حتما (الشرق الاوسط) على موعد مع سباق تسلح روسي ـ اميركي، بداية عبر نشر واستنفار وتفعيل لمنظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400 في سوريا ولمصلحتها حتما، والتي ستكون الرد الاولي على تحضير الاميركيين والاسرائيليين لقاذفة إف 35 التي ستُكَلَف بمتابعة مناورتهم المعتادة لإستهداف الداخل السوري، ولاحقا بانتظار منظومات وقدرات اخرى، وايضا في معرض الرد على الرد الاميركي ـ الاسرائيلي.

شارل ابي نادر

اقرأ أيضاً: بوغدانوف: هذه هي أهداف روسيا في إدلب السورية